يوم التأسيس .. يوم بدينا

تحتفل المملكة العربية السعودية في مثل هذا الوقت من كل عام بيوم من أعظم الأيام في تاريخها الممتد لثلاثة عقود من الزمن ، إنه يوم تأسيس الدولة السعودية الأولى في عهد مؤسسها الإمام محمد بن سعود رحمه الله ، عندما أسس الدولة بتاريخ ٣٠/ ٦/ ١١٣٩ هـ ، الموافق ٢٢/ ٢/ ١٧٢٧م  في العاصمة الدرعية .

 

 فذكرى قيام الدولة السعودية الأولى قبل ثلاثة قرون يأتي ليعبر عن العمق التاريخي والثقافي لهذه الدولة – أعزها الله – لتصل إلى ما وصلت إليه من تقدم وتمكين وحفظ الحقوق والواجبات وحماية الناس وازدهارهم في منطقة صحراوية كان يغلب عليها الجوع وقلة الموارد ، حيث لم يكن هناك دولة بمعناها الحديث في الجزيرة العربية منذ عقود طويلة ، وغلب عليها حياة بدائية تحكمها القبيلة أو التجمعات القروية ، وسادت الخلافات والحروب والغزوات بينها لفترات طويلة ، حتى ظهرت دولة حديثة رغم الامكانات المتواضعة ، مكتملة الأركان في القضاء والحقوق والمواطنة والأمن والاستقرار في العاصمة الأولى ( الدرعية ) .

 

ومع نهاية العصر النبوي الشريف في مكة المكرمة والمدينة المنورة والخلافة الراشدة ، فقد هاجرت عواصم الدولة الإسلامية خارج الجزيرة العربية إلى الشام ثم العراق لما يقارب ( ٩٠٠ ) عام ، أثناء حكم الدولة الأموية في دمشق ، والدولة العباسية بغداد ، ولم تكن الجزيرة العربية محل اهتمام رغم وجود الحجيج والمعتمرين والحرمين الشريفين ، مما جعل هذه البلاد المباركة تعيش في فترات ضياع امتدت لعقود من الزمن ، حتى أسس الإمام محمد بن سعود رحمه الله هذه الدولة الفتية ليعيد كتابة التاريخ السياسي بعد انقطاع طويل ، ويعيد معها أهميتها التاريخية ، وربطها بالمبادئ الأولى التي قامت عليها دولة الاسلام وقت النبوة ثم وقت الخلافة الراشدة ، وأسس الدولة بمفهومها الحقيقي على أجزاء واسعة من الجزيرة العربية ، فتجمعت القبائل والقرى بمختلف الأجناس تحت راية الدولة التي تقوم تحت راية التوحيد بعد انقطاع طويل .

 

وقد توالت جهود الأعداء منذ تكوين هذه الدولة الراشدة في إسقاطها ، لأنها تأتي امتداداً للدولة الإسلامية ، إن المتمعن في قراءة صفحات تاريخ الدولة السعودية منذ تأسيسها عام ١٧٢٧م، يجد تجربة سياسية قاسية واجهت من خلالها الكثير من التحديات، ولكنها كلما سقطت أرضاً تنهض ثانية ، كما لو كانت تولد من جديد ، وصنعت بذلك هوية راسخة، فبعد سقوط الدولة السعودية الأولى سرعان ما نهضت الدولة السعودية الثانية، وعند سقوط الثانية، سرعان ما نهضت الدولة السعودية الثالثة، على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن سعود طيب الله ثراه . 

 

وللمتتبع لقراءة النسيج الاجتماعي منذ ( ٣) عقود فسوف يلحظ مساهمة كل المواطنين في الجزيرة العربية من وسطها إلى شرقها وغربها وشمالها وجنوبها ، في التأسيسٍ والبناءٍ والتضحيةٍ مع القيادة من جميع الأسر والقبائل حاضرة وبادية ، حيث ساهم العلماء والأعيان والمعلمين والعمّال والحرفيين والمزارعين وغيرهم من كافة الناس في السمع والطاعة والمشاركة مع القيادة الكريمة في العقد الاجتماعي والسياسي لبناء  الدولة التي امتدت على مدى ( ٣ ) عقود من الزمن ، في توحيد البلاد وبنائه وتعزيز قوته ورسالته ، فالجميع ساهم في هذا الإنجاز التاريخي لهذه الدولة المباركة ، وأسهموا في بنائها ووحدتها وتماسكها .

 

لقد عاشت السعودية ثلاثة قرون بتجربة سياسية فريدة ، فالدولة السعودية التي بدأ المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله في استعادة أمجادها عام ( ١٩٠٢ ) أي قبل ( ١٢٠ ) عام، وإعلانه قيام الدولة عام ( ١٩٣٢ ) ، وعاصمتها الرياض ، وبناء كيان سياسي جديد، لم يكن وليد الصدفة أو المغامرة السياسية ، بل جاء امتداد لقرنين من الزمان سبقه ،منذ أن انطلقت أولى لبنات الدولة الفتية عام ١٧٢٧ م على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، في عاصمته الإدارية ( الدرعية ) ، الأرض التي شهدت ولادة المملكة العربية السعودية لأول مرة في الجزيرة العربية بعد انقطاع لقرون طويلة .

 

لقد صنعت المملكة العربية السعودية تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله اليوم تاريخاً مضيئاً للجزيرة العربية في منهج راسخ وجعلت منها دولة ذات عمق في تاريخ الأمم، وصاغت هوية راسخة جعلها تتميز بالمرونة والقدرة على التكيف والعيش تحت الظروف المختلفة إلى يومنا الحاضر، فيوم التأسيس الذي نفتخر به، ونتذكر أمجاده ، يظهر لنا عمق المسافة التاريخية التي تميز بلادنا عن غيرها، على يد رجالات صنعوا هذا الوطن بمراحله الثلاث، ليكون يوم التأسيس محل فخر واعتزاز لكل من يعيش على أرض هذه الأرض المباركة .